العرب بين ثقافة التسلط وثقافة الديمقراطية

 

د.محمد زاهي بشير المغيربي

أستاذ العلوم السياسية

جامعة قاريونس

بنغازي ليبيا

 

من بين القضايا والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية العديدة التى تواجه الوطن العربي ، تبرز قضية الديمقراطية كأحد أهم هذه القضايا ، إن لم يكن أهمها على الإطلاق . وتبرز أهمية هذه القضية في كونها المحور الأساسي الذى يتوقف عليه حل المعضلات والقضايا الاجتماعية والاقتصادية التى تواجه هذه الأمة . وبالرغم من أن قضية الديمقراطية قد لاقت وما تزال تلاقي اهتماما كبيرا على مستوى الكتابة والشعارات إلا أنه لم يحالفها نفس الحظ على مستوى التطبيق العملي والسؤال الذى يطرح نفسه هو : لماذا لم ينجح التطبيق الديمقراطي في الوطن العربي ؟ وما هو السبب وراء استمرار النظم التسلطية في أقطار الوطن العربي ؟

 

إن معالجة قضية الديمقراطية في الوطن العربي تتطلب البحث عن الأسباب الحقيقية والجوهرية التى تعرقل بناء المجتمع الديمقراطي في الوطن العربي بدلا من الاكتفاء بالتركيز على المظاهر الخارجية لهذه المشكلة والتى تتمثل في سيطرة أفراد أو فئات قليلة على مقاليد السلطة في أقطار الوطن العربي وممارستهم للقمع والعسف السياسي وعدم سماحهم للرأي المعارض أن يعبر عن نفسه . إن هذا كله هو نتاج للسبب الرئيسي ، في رأينا ، وهو طبيعة الثقافة السياسية السائدة في الوطن العربي والتى تؤدي إلى تكريس النظم التسلطية وعرقلة بناء المجتمع الديمقراطي .

 

إن أولى خطوات البناء الديمقراطي السليم في الوطن العربي تتلخص في العمل على تغيير طبيعة الثقافة السياسية السائدة في الوطن العربي بحيث تصبح عاملا مساعدا على بناء الديمقراطية وليست عاملا معرقلا لهذا البناء .

 

وقبل الاستمرار في مناقشة الموضوع يجب أن نحدد مالذي نقصده بمفهوم الديمقراطية، فالديمقراطية في رأينا هى " حق المواطن الفرد في المشاركة في اتخاذ القرارات في الشؤون العامة " وإذا كانت الديمقراطية بهذا المعنى حقا لكل مواطن ، فإن أولى شروط ممارسة هذا الحق هو أن يدرك المواطن الفرد أن من حقه أن يقوم بهذه الممارسة وأنها ليست هبة أو منحة من أحد . إن السبب الرئيسي وراء تعثر الديمقراطية في الوطن العربي ، في رأينا ، هو انعدام الإدراك بهذا الحق لدى المواطن العربي ، فالثقافة السياسية السائدة في الوطن العربي ، والتى هى نتاج لعملية التنشئة الاجتماعية والسياسية ، تعكس قيما وأنماطا سلوكية مخالفة تماما للنمط الديمقراطي ، ومعززة ومؤكدة للأنماط التسلطية السائدة في الوطن العربي.

 

ويترتب على هذا الافتراض أن أي نجاح حقيقي وتطبيق فعلي للديمقراطية يتطلب تغيير طبيعة الثقافة السياسية السائدة ، وإزالة القيم والأنماط السلوكية المعرقلة للبناء الديمقراطي ولكي نتمكن من الوصول إلى هذا التغيير فإن ذلك يتطلب منا أن نحدد ماهية الأنماط الثقافية السائدة ، وما هو سبب وجودها واستمراريتها ؟ وكيف تعمل على تكريس الأنماط التسلطية وعرقلة بناء الديمقراطية في الوطن العربي ؟

 

وسنحاول إلقاء الضوء على هذه الأسئلة من خلال التعرض للثقافة السائدة في الوطن العربي وما تتضمنه من قيم وأنماط سلوك مؤثرة على الحياة السياسية والعمل السياسي ، وكذلك من خلال التعرض للعوامل التى أدت إلى وجود مثل هذه الأنماط الثقافية والسلوكية. وبعبارة أخرى ، كيف تم غرس هذه الثقافة وما هى الأدوات أو القنوات التى قامت بذلك ؟ وأخيرا نتعرض إلى ما يمكن عمله لتغيير هذه الأنماط الثقافية السائدة .

 

يعتبر مفهوم الثقافة السياسية أحد المفاهيم الجديدة نسبيا في أدبيات علم السياسة . ولقد كان العالم السياسي الأمريكي الأستاذ (ألموند) هو أول من استخدمه في مقالة كتبها سنة 1956 . ويعرف ألموند الثقافة السياسية بأنها " مجموعة التوجهات السياسية والاتجاهات والأنماط السلوكية التى يحملها الفرد تجاه النظام السياسي ومكوناته المختلفة وتجاه دوره كفرد في النظام السياسي " فالثقافة السياسية إذن هى أنماط التوجه والتكيف تجاه النشاط والعمل السياسي في أي مجتمع من المجتمعات . وفى بداية الستينيات قام مع الأستاذ (فيربا) بإجراء دراسة ميدانية في خمس دول لمعرفة أنماط الثقافة السياسية وأبعادها المختلفة وكانت نقطة التساؤل الأساسية في هذه الدراسة هى مدى إمكانية خلق ثقافة سياسية مؤيدة لبناء نظام سياسي ديمقراطي في الدول النامية ، وما هى الثقافة السياسية المؤيدة لهذا النظام . ولقد نشر الباحثان نتائج دراستهما في مؤلفهما الشهير "الثقافة المدنية " . ويرى الكاتبان أن توجهات الأفراد تجاه النظام السياسي تتحدد من خلال ثلاثة أبعاد هى الإدراك ويعنى مدى معرفة الأفراد لنظامهم السياسي والبني التى يحتويها والأدوار السياسية في جانبي المدخلات والمخرجات ، والمشاعر وتعنى الأحاسيس التى يحملها الفرد تجاه النظام السياسي والسلطات والسياسات العامة ، وأخيرا التقييم ويعنى الأحكام والآراء التى يحملها الأفراد تجاه النظام السياسي والأدوار السياسية المختلفة وتقييمهم لأداء النظام السياسي بصفة عامة .

 

ويمكن تحديد وقياس الثقافة السياسية لأي مجتمع من المجتمعات من خلال معرفة مدى إدراك وشعور وتقييم الأفراد لأربعة جوانب أساسية من الحياة السياسية وهى : النظام ككل (الحجم ، الموقع ، الشكل الدستوريالخ ) وجانب المدخلات (الأفراد والجماعات ، والبنى والعمليات السياسية التى يتم من خلالها تقديم المطالب المختلفة إلى السلطات السياسية لتحويلها إلى قرارات ملزمة ) ، وجانب المخرجات ( كيفية وضع وتنفيذ السياسات العامة في المجتمع وماهى البنى التى تقوم بهذه العملية )، وأخيرا دور الفرد ذاته ( ما هو الدور الذى يلعبه الفرد في الحياة السياسية ؟ ومدى معرفته لحقوقه وواجباته وقدراته السياسية وكيفية المشاركة في الحياة السياسية ، وأى المعايير يستخدم لتكوين آرائه حول النظام السياسي وتقييمه لجوانبه المختلفة ) . ويرى الكاتبان أنه من خلال معرفة كيفية توزيع هذه الأبعاد الثلاثة (الإدراك والشعور والتقييم ) يمكن الخروج بثلاثة أنماط أو نماذج من الثقافات السياسية وهى الثقافة السياسية المشاركة والثقافة السياسية التابعة (الرعوية) والثقافة السياسية المحلية (الضيقة) .

 

ويرى الكاتبان أن هذه الأنماط أو النماذج هى نماذج نظرية أو مثالية ، وأنه لا يوجد مجتمع من المجتمعات تسيطر عليه إحدى هذه الثقافات بالكامل ، ولكن توجد أنماط من الثقافات الثلاث في كل المجتمعات البشرية ولكن يمكن تحديد الثقافة السياسية لأي مجتمع من المجتمعات من خلال قياس توزيع هذه الأنماط في هذا المجتمع وأيهما المسيطر أو الغالب ، بعبارة أخرى ، فإن الثقافة السياسية لأي مجتمع من المجتمعات تحددها السيطرة النسبية لأي من هذه الأنماط مع الاعتراف بوجود أفراد أو جماعات داخل نفس المجتمع يحملون أحد النمطين الآخرين أي وجود ثقافات سياسية فرعية إلى جانب الثقافة السياسية السائدة . ويخلص ألموند وفيربا إلى أن نمط الثقافة السياسية المشاركة هو النمط المعزز لبناء الديمقراطية في أي مجتمع من المجتمعات ، وأن الدول التى تقدمت في مجال بناء الديمقراطية ، هى دول تمتاز بسيطرة وانتشار الثقافة السياسية المشاركة .

 

انطلاقا من تحديدنا لأنواع وأنماط الثقافات السياسية فإن الثقافة السياسية العربية تعكس بشكل واضح خصائص ومكونات الثقافة السياسية الرعوية (ثقافة الراعي والرعية ) ، حيث أن خصائص الثقافة السياسية الرعوية التسلطية تتجلى بوضوح في جميع جوانب الحياة العربية ، وأن هذه الثقافة الرعوية بما تتضمنه من قيم الرضوخ والتسلط ، وما تعكسه من أنماط سلوك تعمل بشكل مستمر ودائم على عرقلة بناء الديمقراطية في الوطن العربي .

 

إن القيم والتوجهات وأنماط السلوك التى يتعلمها الإنسان العربي منذ نشأته وحتى نهاية حياته من خلال القنوات المختلفة ، تعمل على ترسيخ روح العجز والإتكالية والإذعان لمن هم أقوى منه .

 

إن الحياة الاجتماعية العربية مبنية في إطار سلسلة مترابطة من علاقات التسلط والرضوخ ، بين الأب والأبناء ، الأخوة والأخوات ، الكبير والصغير ، الرئيس والمرؤوس .. وهكذا إلى أن تصل إلى العلاقة بين الحاكم والمحكومين .

 

إن علاقات التسلط والرضوخ المنتشرة في الحياة الاجتماعية العربية وروح الإذعان والاتكالية تنعكس في نهاية المطاف على الحياة السياسية ذاتها فيصبح من الطبيعي للإنسان العربي أن يتقبل أي نظام تسلطي ، حيث أن هذا هو ما تعود عليه طيلة حياته . ويصبح عنده إحساس بالعجز وعدم القدرة على المشاركة في اتخاذ القرارات ، حيث أنه قد تعود على وجود من يتخذ له القرارات في جميع جوانب حياته الأخرى ولذا فإنه يتقبل وجود من يتخذ له القرارات بالنيابة عنه في المجال السياسي . لقد عَرفنا الديمقراطية في بداية هذه المقالة على أنها حق المواطن الفرد في المشاركة في اتخاذ القرارات العامة ولكن غياب الإدراك بهذا الحق لدى المواطن العربي وشعوره بالعجز عن المشاركة في اتخاذ القرارات في الأمور التى تخصه ، يجعله يقبل بوجود أي نظام تسلطي على أنه أمر يتفق مع طبيعة الأشياء في مجتمعه، بغض النظر عن مشاعره تجاه هذا النظام ، وعادة ما تكون مشاعر سلبية مشوبة بالكراهية وعدم القبول لهذا النظام ، يصاحبها إحساس بالعجز عن فعل أي شئ تجاه النظام أو تغيير سياساته .

 

ويبدو هذا بوضوح في روح الإذعان والاتكالية السائدة في الثقافة السياسية العربية، روح الإذعان للسلطة والإحساس بعدم القدرة على تغييرها ، روح الاتكالية على الغير (الطبيعة والبطل المنقذ ) لتخليص المواطن العربي من عسف السلطة وتسلطها . إن روح الاتكالية هذه تنعكس بجلاء في كثير من الأمثال الشعبية العربية التى تعبر عن إحساس المواطن العربي بالكره تجاه رموز السلطة المختلفة وعلى إتكاله على قوى خارجية لتخليصه منها كذلك تنعكس روح الإتكاليه هذه من خلال اعتماد المواطن العربي على البطل الأسطوري وعلى الزعيم المنقذ لتخليصه من ربقة الاستعباد والسيطرة ، ولذا تنتشر في الثقافة السياسية العربية ظاهرة عبادة الفرد والاعتماد على الشخصية الملهمة للزعيم البطل لإنقاذ المواطن مما يعيش فيه من عسف وظلم وتسلط .

 

وتعمل القيم والتوجهات وأنماط السلوك التى يتعلمها المواطن العربي على عرقلة بناء الديمقراطية من ناحية أخرى من خلال انعدام روح الحوار والنقاش الموضوعي وتقبل الآراء المخالفة واحترامها في العلاقات الاجتماعية والسياسية ، حيث أننا نجد أن المواطن العربي يضيق صدره بالحوار والنقاش ولا يحترم الآراء المخالفة ، ولا يتقبل النقد . وتصبح العلاقة هى علاقة رضوخ وتقبل لأوامر ونواهى من هم أعلى منه ، وعلاقة تسلط وسيطرة على من هم أدنى منه ، ويتدرج ذلك حتى يصل إلى قمة الهرم (السلطة السياسية ) .

 

إن هذا العرض المختصر يوضح لنا بجلاء أن الثقافة السياسية السائدة في العربي هى ثقافة معرقلة لبناء الديمقراطية ومعززة للنظم التسلطية الموجودة في أقطارنا العربية . إن الإنسان العربي ينظر إلى وجود سلطة سياسية تمارس عليه تسلطها وعسفها وتقوم باتخاذ القرارات التى تلمسه في صميم حياته ووجوده نيابة عنه ودون استشارته ، هو أمر طبيعي يتفق مع بقية جوانب حياته الأخرى ، حيث أنه كان هناك دائما من يتخذ له القرارات في البيت والمدرسة ومكان العمل ، ويرجع هذا كله إلى نوعية القيم وأنماط السلوك التى يتعلمها المواطن العربي من خلال قنوات ومؤسسات المجتمع المختلفة ، ويقودنا هذا إلى ضرورة مناقشة نوعية التنشئة السياسية التى يتعرض لها المواطن العربي ودور القنوات المختلفة في ذلك ، وآثارها على تكوين الشخصية الديمقراطية من عدمه لدى المواطن العربي .

 

لقد رأينا كيف أن القيم والتوجهات والأنماط السلوكية التى تعرض لها وتشرب بها المواطن العربي قد خلقت ثقافة سياسية رعوية تسلطية ، يشعر من خلالها الفرد بعجزه وعدم قدرته على المشاركة في الحياة العامة ، وتصبح النظم التسلطية أمرا طبيعيا بالنسبة له تتوافق مع بقية جوانب حياته الأخرى . ولكن كيف تم غرس هذه القيم والتوجهات وأنماط السلوك ؟ وما هى القنوات التى قامت بعملية الغرس هذه ؟

 

للإجابة على هذين السؤالين يتوجب علينا مناقشة مفهوم آخر من المفاهيم السياسية وهو مفهوم " التنشئة السياسية " وذلك لأن القيم والتوجهات وأنماط السلوك التى يكتسبها الفرد هى نتاج لعملية التنشئة التى يتعرض لها طوال حياته . والتنشئة السياسية هى جزء من التنشئة الاجتماعية العامة وهى عبارة عن " العملية التى يكتسب الفرد من خلالها قيمه وتوجهاته السياسية ومعارفه ومشاعره وتقييماته لبيئته ومحيطه ونظامه السياسي " .

 

وبعبارة أخرى ، فإن التنشئة السياسية هى العملية التى يتم من خلالها تشكيل الثقافة السياسية للمجتمع وتشمل عملية التنشئة السياسية : " كل أنواع التعليم السياسي ، الرسمي وغير الرسمي ، المخطط وغير المخطط ، في كل مرحلة من مراحل حياة الفرد ، ويتضمن ذلك مختلف أنواع القيم وأنماط السلوك التى ليس لها علاقة مباشرة بالحياة السياسية ولكنها تؤثر على السلوك السياسي للفرد ، مثل اكتساب بعض الاتجاهات الاجتماعية والخصائص الشخصية التى قد يكون لها أثر على سلوك الفرد السياسي " .

إن الثقافة السياسية للمجتمع هى نتاج لعملية التنشئة السياسية وإن القيم والتوجهات وأنماط السلوك التى تتضمنها هذه الثقافة هى انعكاس لنوعية التنشئة التى يتعرض لها أفراد المجتمع . ويجدر التنويه هنا إلى أن كل النظم السياسية تحاول أن توظف عملية التنشئة السياسية لغرس القيم والتوجهات والأفكار السياسية التى تتفق مع قيم وتوجهات وأفكار السلطات الحاكمة ويتم ذلك عن طريق المؤسسات والقنوات التى تخضع لسيطرة السلطة مثل المؤسسة التعليمية ووسائل الإعلام ، ولكن إلى جانب أسلوب التنشئة الرسمي والمباشر ، فإن الفرد يكتسب قيمة وتوجهاته السياسية عن طريق قنوات أخرى قد تتناقض مع قنوات التنشئة الرسمية ، مثل الأسرة وغيرها من القنوات التى لا تخضع لسيطرة السلطات بصورة مباشرة.

 

إلى جانب ذلك ، فإن كثيرا من القيم والتوجهات وأنماط السلوك التى يتعلمها الفرد خلال عملية التنشئة الاجتماعية بصفة عامة والتى قد لا يكون لها علاقة مباشرة بالنواحي السياسية ، تساعد على تكوين شخصيته وتحديد اتجاهاته بشكل يؤثر على سلوكه السياسي فيما بعد ، ويتضح ذلك بوضوح عند مناقشة الثقافة السياسية العربية حيث أن أغلب مكونات الثقافة السياسية الرعوية التسلطية في المجتمع العربي هى نتاج لعمليات التعلم والتربية التى يتعرض لها المواطن العربي طوال مراحل حياته ، والتى لا تتضمن أية جوانب سياسية بصورة مباشرة . إن علاقات التسلط والرضوخ وروح الإذعان والاتكالية وأنماط السلوك غير الديمقراطية المتمثلة في انعدام روح الحوار والنقاش وعدم القدرة على تقبل الرأي المخالف ، والتى تتميز بها الثقافة السياسية العربية ، هى نتاج لعملية التنشئة الاجتماعية والسياسية التى يتعرض لها المواطن العربي من خلال قنوات التنشئة المختلفة وبالذات من خلال البيت والمؤسسة التعليمية .

 

وتتفق أدبيات التنشئة السياسية في أن البيت هو الخلية الأولى التى تتشكل فيها قيم وتوجهات وأنماط سلوك الفرد التى تؤثر في ما بعد على نظرته وسلوكه تجاه النظام السياسي والعملية السياسية . وتبرز أهمية البيت في عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية في أن الطفل يكتسب خصائص شخصيته وأنماط سلوكه من خلال طرق التربية والتصرفات والمواقف التى يتعرض لها في البيت . ويعمل البيت العربي بصورة مباشرة على خلق القيم والتوجهات وأنماط السلوك التى تعكس نفسها في الثقافة السياسية الرعوية التسلطية . إن نمط التربية السائدة في البيت العربي يعمل على " قتل الشخصية وإخضاع الفرد لقيم المجتمع وترويضه للامتثال" ويتضح ذلك من خلال علاقات التسلط والرضوخ التى تسود حياة الأسرة العربية ، فالأب هو كل شئ في البيت العربي .

 

ويعمل نظام التربية في البيت العربي على قتل روح الإبداع والتفكير الحر المستقل عند الطفل وتزول ثقته تدريجيا في آرائه الخاصة وفى قدرته على تحمل المسؤوليات .

 

إن أنماط التربية في البيت العربي تضع الأسس الأولى لشخصية الإنسان العربي وقيمه وسلوكياته التى تشكل في ما بعد ثقافته السياسية وتنعكس في هذه الثقافة كل علاقات التسلط والرضوخ وأنماط الإذعان والاتكالية والعجز التى يتشربها الإنسان العربي في البيت .

 

بعد البيت تأتى المدرسة لتشارك في تشكيل شخصية الإنسان العربي ، وفى تكوين الثقافة السياسية العربية ، وبدلا من أن تقوم المدرسة بمحاولة تغيير القيم وأنماط السلوك التى تعلمها الإنسان العربي في البيت ، فإنها تقوم بتعزيز هذه القيم وأنماط السلوك عن طريق ما تغرسه من قيم وتوجهات وأنماط سلوك مشابهة لما كان يتعرض لها الإنسان العربي في البيت، وذلك من خلال أساليب ووسائل التعليم والتربية العقيمة التى تقتل الشخصية والاستقلالية وحرية التفكير ، وتعزز روح الاتكالية والإذعان والعجز ، فالنظام التعليمي العربي قائم على أساس التلقين وهو دائما في اتجاه واحد . المعلم يلقن والتلميذ يحفظ ما يتلقفه غيبيا دون أن يكون هناك مجال للحوار والنقاش والتساؤل الحر ، وتمارس عملية التلقلين في إطار من علاقات التسلط والرضوخ التى تعود عليها الإنسان العربي في البيت ، فسلطة المعلم لا تناقش وأخطاؤه لا يسمح بإثارتها ، وآراؤه لا يمكن الاختلاف معها لأن عواقبها وخيمة ونتائجها رسوب الطالب، وهذا يخلق في عقلية الطالب روح الامتثال والطاعة لمن هو في موقع السلطة . إن كل هذا يؤدي إلى أن يقوم الطالب العربي بحفظ مادة الدرس غيبيا "الصم" دون أي تساؤل عن محتواها وموضوعها ، وينتج عن ذلك غياب الفهم والإدراك الحقيقي والسليم لما يتعلمه الطالب العربي .

عندما ينتقل الطالب العربي إلى الجامعة فإنه لا يواجه مناخا متغيرا وأسلوبا مغايرا لما تعود عليه في البيت والمدرسة ، فالجامعات العربية هى عبارة عن " مدارس للتعليم العالي يمارس فيها التعليم بواسطة التلقين ". إن الهم الأساسي لجامعاتنا هو حشو ذهن الطالب بعدد كبير من المعلومات دون الاهتمام بتعليم الطالب كيفية البحث وتعليمه الأساليب والمناهج التى يستطيع أن يستعين بها في البحث والتقصي والدراسة .

 

إن الهدف الأساسي للجامعة العربية يجب أن يكون هو بناء منهجية التفكير في الطالب العربي وتشجيعه على التساؤل الحر والنقاش والحوار وتعويده على احترام آراء الآخرين وتقبل النقد والرأي المخالف ، ولكن واقع الجامعات العربية يختلف عن هذه الصورة تماما فأسلوب التعليم هو نفس أسلوب التعليم المدرسي ، وسلطة الأستاذ الجامعي على طلبته لا تناقش ، والتلقين والحفظ الغيبي هما الأساس في العملية التعليمية.

 

يعمل هذا كله على تعزيز قيم وأنماط سلوك التسلط والرضوخ وهكذا تتكامل سلسلة بناء شخصية الإنسان العربي بشكل يغرس فيه روح الاتكالية والخضوع والإذعان للسلطة ، وتنعكس هذه الخصائص على الثقافة السياسية السائدة في الوطن العربي بشكل يعزز الأنماط التسلطية ويعرقل الأنماط الديمقراطية .. ويصبح نمط الثقافة السياسية الرعوية التسلطية هو النمط السائد في الوطن العربي ، الثقافة القائمة على الخضوع لمن هم أقوى وأعلى والتسلط على من هم أضعف وأدنى ، ويصبح تقبل تسلط السلطة السياسية والإذعان لها أمرا طبيعيا ومنطقيا ومتفقا مع الأنماط الموجودة في بقية العلاقات الاجتماعية في المجتمع العربي .

 

وتشارك مؤسسات المجتمع الأخرى في أحكام الحلقة وفى تعزيز نفس الأنماط السابقة فالأعلام يقع تحت سيطرة السلطة السياسية ويعبر عن قيمها وتوجهاتها ويغيب عنه النقد والتحليل والنقاش الحر لمختلف الآراء والتوجهات ويعمل هذا كله على تعزيز الشخصية التسلطية في الإنسان العربي وإلى تأكيد نمط الثقافة السياسية التابعة التسلطية في الوطن العربية وكما يقوم الدكتور مصطفي حجازي ، فإن علاقات التسلط والرضوخ وسلسلة القمع والقهر هى :

" ..... الخاصية الأساسية للعلاقات السائدة في العالم المتخلف ، وعندما يعشش الإرهاب والقهر في الإنسان على هذا النسق ، عندما لا يكون أمامه نموذج آخر سوى نموذج التسلط والرضوخ ، لابد للذهن أن يفقد مرونته وحرية حركته والاتجاه التحليلي النقدي فالجدل والتفكير النقدي لا يتاح لهما النمو في النهاية إلا في جو من العلاقة الديمقراطية الحقيقية ، التى وحدها تجعل الحوار ممكنا ، وتفتح الطريق أمام قانون التناقض ، تلاقي الـ "مع" والـ" ضد" في علاقة الجدل . الذهن المتخلف يعاني من التفكير وحيد الجانب والاتجاه ، نظرا لتحكم علاقات التسلط والرضوخ : كلمة السيد وأوامره ، قانونه يقابلها معاش انفعالي عند التابع الذى يعمم بدوره نفس الموقف الذهني في مختلف وضعيات الحياة . شلل الفكر النقدي نابع من فرض الطاعة دون النقاش والفهم " .

 

لقد قلنا في بداية هذه المقالة إن الديمقراطية كما نراها هى حق المواطن الفرد في المشاركة في اتخاذ القرارات في الشؤون العامة ، وقلنا إن إدراك المواطن الفرد لهذا الحق هو أهم وأول شروط ممارسته وشروط نجاح الديقمراطية ، ولقد رأينا كيف أن المواطن العربي لا يدرك ولا يرى أن المشاركة في اتخاذ القرار في الشؤون العامة هى حق أصيل له يجب الدفاع عنه . ومن رأينا أن ذلك يرجع إلى أن المواطن العربي لم يتعود على أن يتخذ قراراته في ما يخصه ، وأن هناك دائما من يتخذ له القرارات نيابة عنه حتى في أخص خصوصياته، وأن هذا الذى يتخذ القرار يمثل السلطة بالنسبة للمواطن سواء تمثل ذلك في الأب أو المعلم أو الرئيس في مكان العمل . ولقد رأينا كيف أن هذا كله يخلق في المواطن العربي روح العجز والاتكالية والإذعان للسلطة ، وينزع عنه ثقته في نفسه وفى قدرته على المشاركة في اتخاذ القرارات وإبداء رأيه بحرية ، ويؤدي هذا إلى تعزيز نمط الثقافة السياسية الرعوية التسلطية السائد الآن في الوطن العربي والذى يقوى من مركز النظم التسلطية ويؤكد بقاءها .

 

إن الخطوة الأساسية والهامة في بناء الديمقراطية في الوطن العربي يجب أن تبدأ بتغيير الثقافة السياسية العربية وتخليصها من القيم والتوجهات وأنماط السلوك التى تعزز علاقات التسلط والرضوخ والعمل على غرس القيم والتوجهات وأنماط السلوك التى تساعد على بناء الشخصية المستقلة والحرة ، وعلى خلق ثقافة سياسية مشاركة تجعل من المواطن العربي إنسانا واثقا من نفسه ومن قدراته ، وتجعله يرفض ويقاوم أية محاولة للتسلط عليه وسلب حقه في المشاركة في اتخاذ القرار من جانب السلطة السياسية .

 

إن هذا يعنى أن الوطن العربي في حاجة إلى ثورة تمس صميم الثقافة العربية ، ثورة تنسف كل النظم التربوية وأنماط السلوك السائدة الآن ، ثورة يمتد تأثيرها إلى البيت والمؤسسة التعليمية ووسائل الإعلام ومكان العمل ، ثورة تعمل على إعادة بناء الإنسان العربي بشكل يؤدي إلى تغيير بنية الثقافة السياسية والعربية تغييرا جذريا وإيجابيا في اتجاه تعزيز القيم الديمقراطية وتحطيم وإلغاء قيم التسلط والخضوع السائدة الآن في الوطن العربي . إن مجرد تغيير حاكم بحاكم لا يعني إلا تغيير متسلط بمتسلط آخر طالما بقيت نفس القيم والتوجهات وأنماط السلوك السائدة في الثقافة السياسية العربية .

 

إن ديمقراطية الحياة السياسية لابد وأن تنبع من ديمقراطية الحياة الاجتماعية، وحيث أن العلاقات الاجتماعية العربية والمؤسسات الاجتماعية العربية هى علاقات ومؤسسات غير ديمقراطية ، فإن ذلك يعكس نفسه في غياب الديمقراطية وسيطرة علاقات التسلط والرضوخ على العلاقات والمؤسسات السياسية في الوطن العربي وإن محاولة تطبيق الأساليب الديمقراطية على العلاقات والمؤسسات السياسية في الوطن العربي لن يكتب لها النجاح ما لم يصاحبها البدء في تطبيق الأساليب الديمقراطية على العلاقات والمؤسسات الاجتماعية العربية، لأنه بدون خلق ثقافة ديمقراطية مشاركة في الوطن العربي تحل محله الثقافة التسلطية الرعوية ، فإن بناء الديمقراطية على المستوى السياسي سيتعثر ، وتصبح مختلف المؤسسات السياسية الديمقراطية ، مهما كانت صورتها ، عبارة عن أشكال بدون محتوى ، وأدوات يستغلها الفرد أو الفئة الحاكمة في تعزيز سلطتها وسيطرتها .

 

أخيرا فإننا نرى أن خطورة الموضوع وأهميته تفرض على الفئات الملتزمة بتخليص هذه الأمة من ربقة التخلف والتسلط ، ضرورة القيام بالدراسات المتخصصة والمتعمقة لأبعاد الثقافة العربية وتحليل أنماط التربية والسلوك في المؤسسات الاجتماعية العربية تحليلا علميا وموضوعيا وصريحا من أجل تحديد الأنماط السلوكية والقيم والتوجهات المسيطرة على الثقافة العربية ووضع الخطط والبرامج الكفيلة بغرس النمط الديمقراطي في العلاقات والمؤسسات الاجتماعية العربية ومن ثم في العلاقات والمؤسسات السياسية العربية .


 

المراجع الأساسية

 

1 . جبرائيل ألموند وآخرون ، السياسية المقارنة : إطار نظري ، ترجمة محمد زاهي بشير المغيربي ، بنغازي : منشورات جامعة قاريونس ، 1996 .

2 . هشام شرابي ، مقدمات لدراسة المجتمع العربي ، الطبعة الثالثة ، بيروت : الأهلية للنشر والتوزيع ، 1980 .

3 . محمد زاهي بشير المغيربي ، قراءات في السياسة المقارنة ، بنغازي : منشورات جامعة قاريونس ، 1994 .

4 . مصطفي حجازي ، التخلف الاجتماعي : مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، لبنان : معهد الإنماء العربي ، 1976 .

5 . فيليب أديب سلام ، " الحواجز الحضارية أمام التقدم العلمي العربي " ، المستقبل العربي ، العدد الثاني ، ( 7 1978 ) .